يتكون جسم الإنسان من عدة هرمونات تعمل فيما بينها لتنظيم العمليات المختلفة فيه. ولكل هرمون مسؤولية يتخصص بها عمن سواه، فمثلًا يكون هرمون الإنسولين مسؤولًا عن تنظيم مستوى السكر في الدم، بينما يكون هرمون الليبتين مسؤولًا عن الإحساس بالجوع، وهكذا. ولكن ما الذي نعنيه باستخدام مصطلح هرمون؟ مصطلح هرمون يطلق على النواقل الكيميائية التي تفرز من الغدد في جسم الإنسان بهدف تنظيم عمليات ووظائف الجسم كافة؛ كالنمو والنوم وعمليات الأيض والعمليات الجنسية والتناسلية. واستقرار مستوى هذه الهرمونات ضمن الطبيعي هو أهم عامل لضمان كفاءة وظائف الجسم.
وفي هذا المقال، سنسلط الضوء على فحص الهرمونات للرجل التي تتحكم بالطاقة، والمزاج، والكتلة العضلية، والخصوبة، وحتى صحة القلب والعظام. إذ أن تقدّم العمر أو تغيّر نمط الحياة، قد تتأثر مستويات الهرمونات بشكل ينعكس على الأداء اليومي دون أن يلاحظ الرجل السبب مباشرة. لذلك، يوفّر هذا الفحص نظرة دقيقة تساعد على اكتشاف أي خلل في وقت مبكر، ووضع خطة للحفاظ على التوازن الهرموني الذي يشكّل أساس الحيوية والصحة العامة.
فحص الهرمونات للرجال هو فحص يشمل أكثر من هرمون، هدفه تقييم حالة توازن هذه الهرمونات في الجسم والكشف عن أي اضطرابات قد تؤثر على الصحة العامة أو الأداء الجسدي والجنسي. وقد يشمل الفحص هرمونات عدة أهمها فحص التستوستيرون بوصفه هرمون الذكورة الرئيسي، بالإضافة إلى الهرمونات المسؤولة عن الخصوبة والطاقة والمزاج مثل هرمونات الغدة النخامية وهرمونات الغدة الكظرية وهرمونات الغدة الدرقية. كما قد يشمل الفحص بعض البروتينات التي ترتبط بهذه الهرمونات لتقييم مستوياتها وكفاءة عملها. وبإجراء الفحوصات اللازمة يمكن للطبيب تحديد الأسباب للاضطرابات ووضع خطة علاج مناسبة.
عادة ما يشمل الفحص الهرمونات التالية، قد يطلب الطبيب إجراءها جميعًا، أو بعضًا منها حسب الحاجة إلى ذلك:
يُعدّ التستوستيرون الهرمون الذكري الأساسي المسؤول عن نمو الخصائص الجنسية الثانوية، مثل الكتلة العضلية، توزيع الشعر، ونبرة الصوت، كما يلعب دورًا أساسيًا في تنظيم الرغبة الجنسية والحفاظ على الأداء الطبيعي للوظائف التناسلية وإنتاج الحيوانات المنوية. ويتم إفرازه من الخصيتين بشكل رئيسي تحت تأثير هرمون اللوتين (LH) الذي يتم إفرازه من الغدة النخامية.
كما يؤثر التستوستيرون في توزيع الدهون داخل الجسم، ويساعد في الحفاظ على الكتلة العضلية وكثافة العظام، ما يجعله ضروريًا للوقاية من هشاشة العظام وضعف البنية العضلية مع التقدم في العمر. كذلك له أثر مباشر في المزاج، والطاقة العامة، والقدرة الذهنية، إذ ترتبط المستويات المتوازنة منه بالتركيز العالي والثقة بالنفس والاستقرار النفسي.
وعند إجراء فحص التستوستيرون يتم قياسه بشكليه الأساسيين: الكلي والحر. يشمل الفحص الكلي الجزء المرتبط بالبروتينات مثل الألبومين والجلوبيولين المرتبط بالهرمونات الجنسية (SHBG)، إضافة إلى الجزء الحر. أما الجزء الحر فهو يمثل النسبة الفعّالة بيولوجيًا القادرة على الدخول إلى الخلايا والتأثير في المستقبلات الهرمونية.
هرمون البرولاكتين، المعروف أحيانًا باسم "هرمون الحليب"، يُفرز من الغدة النخامية الأمامية. في الرجال، يساهم في تنظيم التوازن الهرموني عبر تأثيره غير المباشر على محور الغدة النخامية–الخصيتين، مساعدًا في ضبط الهرمونات المسؤولة عن إنتاج التستوستيرون والحيوانات المنوية. كما يدعم البرولاكتين وظيفة الجهاز المناعي ويساهم في استقرار المزاج والجهاز العصبي. يتم تنظيم إفرازه بشكل رئيسي بواسطة الدوبامين الذي يثبط إفراز البرولاكتين. أي اضطراب في هذا التوازن—مما يؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض مستوى البرولاكتين—يمكن أن يؤثر على نظام الهرمونات الجنسية لدى الذكور، ولهذا السبب فإن فحص البرولاكتين مهم.
فحص الغدة الدرقية يتضمن 3 فحوصات، أولها فحص هرمون TSH الصادر من الغدة النخامية والذي يتحكم بآلية إفراز هرمونات الغدة بالإضافة إلى هرموني T3 وT4 اللذان تفرزهما الغدة الدرقية نفسها. ويُعتبر T3 الشكل النشط بيولوجيًا، بينما T4 هو الشكل المخزون الذي يتحول إلى T3 داخل الأنسجة حسب الحاجة. هذه الهرمونات مسؤولة عن تنظيم معدل الأيض في الجسم، ودرجة حرارة الجسم، واستهلاك الطاقة، ونشاط الجهاز العصبي.
ومع أنها لا تعد هرمونات جنسية بالضرورة، إلا أنها تؤثر على الصحة الجنسية ولهذا يتم طلبها عادة مع الهرمونات الجنسية للتأكد من نسبتها الطبيعية.
هرمون الكورتيزول هو هرمون ينتج في الغدة الكظرية بتحفير من هرمون ACTH النخامي وفق إيقاع بيولوجي منظم يبدأ بالارتفاع صباحًا وينخفض ليلًا. ويعمل الكورتيزول على تنظيم مستويات سكر الدم من خلال تحفيز إنتاج الغلوكوز، ويساعد في ضبط ضغط الدم، ودعم وظائف القلب والأوعية الدموية. كما له تأثير مضاد للالتهابات ويحافظ على التوازن بين الجهاز المناعي واستجابة الجسم للإجهاد.
ويطلب عادة مع فحص الهرمونات للرجال لما له من تأثير على هرمون التستوستيرون، إذ أن ارتفاع الكورتيزول المزمن بسبب التوتر أو قلة النوم أو المجهود الزائد قد يؤدي إلى تثبيط إفراز التستوستيرون من الخصيتين.
الإستراديول هو أحد أشكال هرمون الإستروجين، وبالرغم من كونه هرمونًا أنثويًا إلا أنه يُنتج عند الرجال أيضًا بكميات صغيرة من خلال تحويل جزء من التستوستيرون بواسطة إنزيم الأروماتاز، خصوصًا في الأنسجة الدهنية والكبد والدماغ. وتختلف وظائفه عن النساء إذ أنه يشارك في الحفاظ على كثافة العظام ومنع هشاشتها، ويساهم في تنظيم الرغبة الجنسية والمزاج، كما يدعم صحة القلب والأوعية الدموية ويساعد في ضبط الكولسترول الجيد والدهون في الدم.
بالإضافة إلى ذلك، يلعب دورًا مهمًا في توازن عمل التستوستيرون نفسه، إذ إن العلاقة بينهما أشبه بميزان دقيق: الزيادة أو النقصان في أحدهما تؤثر مباشرة في الآخر.
مع أن الألبيومين بروتين وليس هرمونًا إلا أنه من الفحوصات المهمة لخصوبة الرجال. إذ أنه يعمل على نقل العديد من الجزيئات في الجسم، مثل الأحماض الدهنية والهرمونات. ويُطلب فحص الألبومين مع الهرمونات الجنسية لتقييم دقة نتائج التستوستيرون الكلي، إذ إن انخفاض مستوى الألبومين في حالات أمراض الكبد أو سوء التغذية قد يجعل التستوستيرون الكلي يبدو منخفضًا رغم أن الجزء الفعّال منه طبيعي. كما أن معرفة تركيز الألبومين تساعد في حساب التستوستيرون الحر المحسوب بدقة، وهو ما يمنح صورة أوضح عن الحالة الهرمونية الفعلية للرجل.
هو بروتين آخر يدرج ضمن فحوصات الهرمونات الجنسية، وهو بروتين ينتجه الكبد ويرتبط بقوة بالتستوستيرون وهرمونات الجنس الأخرى مثل الإستراديول بهدف نقلها في مجرى الدم. وتحدد نسبته كمية الهرمون الحر والفعال في الدم، فعند ارتفاعه يزداد ارتباط التستوستيرون به، مما يقلل من كمية الهرمون الحر المتاحة للجسم ويؤدي إلى ظهور أعراض نقص التستوستيرون رغم أن المستوى الكلي قد يبدو طبيعيًا.
أما عندما ينخفض، فإن نسبة التستوستيرون الحر ترتفع، وهو ما قد يُلاحظ لدى الرجال المصابين بالسمنة أو مقاومة الإنسولين، ولهذا تُعدّ نسبته مؤشرًا مهمًا لتنظيم التوازن بين الهرمونات الذكرية والأنثوية عند الرجال.
يطلب الطبيب إجراء فحوصات الهرمونات الجنسية الذكورية عادة حين يشكو المريض من انخفاض الرغبة الجنسية، وضعف الأداء البدني، وتراجع الكتلة العضلية، والإرهاق الدائم، وتغيّر المزاج العام إذ أنها كلها علامات تدل على ضعف الهرمونات الذكرية. أو في حالات اضطراب الخصوبة أو تأخر الإنجاب كأن يظهر في تحليل السائل المنوي ضعفًا في عدد أو حركة الحيوانات المنوية. أو عند الاشتباه بخلل في الغدة النخامية أو الكظرية إذ تتحكم هذه الغدد في إفراز التستوستيرون بشكل غير مباشر من خلال هرمونات مثل LH وACTH، لذا فأي اضطراب في أدائها قد ينعكس مباشرة على توازن الهرمونات الذكرية. كما قد يطلب بشكل روتيني كجزء من المتابعة الطبية أو الوقاية بعد عمر الأربعين.
يتم إجراء الفحص عن طريق سحب عينة دم من الوريد ليتم تحليلها في المختبر. وقد يطلب من الطبيب الالتزام ببعض الأمور قبل سحب العينة لضمان دقة النتائج مثل أن يتم سحب العينة في ساعات الصباح المبكرة (بين 7 و10 صباحًا)، وتجنّب التمارين الرياضية الشديدة أو الإجهاد البدني في اليوم السابق للفحص، والامتناع عن العلاقة الجنسية والتحفيز الجنسي لمدة 24 ساعة قبل الفحص. كما يُنصح بعدم تناول الأدوية أو المكمّلات الهرمونية (مثل التستوستيرون أو الستيرويدات) قبل التحليل إلا بتوجيه الطبيب وإذا كنت تتناول أدوية أخرى من أي نوع باستمرار فعليك إخبار الطبيب بذلك.
وعادة لا يتوجب الصيام إلا في بعض الحالات الخاصة، وفي هذه الحالة سيخبرك الطبيب أو يمكنك سؤاله للتأكد.
من الأفضل أخذ النتائج للدكتور لتفسيرها وصرف العلاجات المناسبة كما تقتضي الحالة، إذ قد يصعب على الشخص غير المتمرس تفسير النتائج وحده، فكل هرمون يدل نقصانه أو زيادته على حالة معينة.
تؤثر العادات اليومية بشكل كبير على توازن الهرمونات الذكرية في الجسم، وغالبًا ما يكون نمط الحياة هو العامل الفاصل بين الاضطراب والاستقرار الهرموني. منها:
سنلاحظ أن تناول الأطعمة الغنية بالبروتينات الجيدة مثل البيض والسمك، والدهون الصحية الموجودة في الزيتون والمكسرات، إلى جانب الخضار الورقية، يساعد على دعم إنتاج الهرمونات والحفاظ على توازنها الطبيعي.
لضمان نوم مريح ومتواصل، وهذا لأن الجزء الأكبر من التستوستيرون يتم إفرازه أثناء ساعات النوم العميق وقلة النوم قد تُضعف إنتاج الهرمون خلال فترة قصيرة.
فقلة الحركة تؤدي إلى بطء الأيض وضعف الاستجابة الهرمونية، بينما تساهم التمارين المنتظمة، خاصة تمارين المقاومة ورفع الأوزان، في تعزيز إفراز التستوستيرون وتحسين المزاج والطاقة العامة. ولكن يجب الانتباه إلى أن الإفراط في التمارين دون فترات راحة كافية يمكن أن يرفع مستوى الكورتيزول ويؤدي إلى نتيجة عكسية.
من أكثر المسببات الخفية لاختلال التوازن الهرموني. فارتفاع الكورتيزول الناتج عن الإجهاد المستمر يعيق إنتاج التستوستيرون ويؤثر على جودة النوم والمزاج. لذا يُنصح بممارسة أنشطة تخفف الضغط النفسي مثل المشي، التأمل، أو أي نشاط يمنح الذهن راحة واستقرارًا، فهدوء الأعصاب ينعكس مباشرة على توازن الهرمونات في الجسم.
إن التوازن الهرموني عند الرجل ليس رفاهية؛ بل هو ضرورة وأولوية لتأثيره على جوانب الحياة كافة. ففضلًا عن علاقته الوطيدة بالصحة الجسدية والنفسية بشكل عام، عندما تكون مستويات الهرمونات، وعلى رأسها التستوستيرون، ضمن المعدلات الطبيعية، سيشعر الرجل أيضًا بطاقة أفضل، وتركيز أعلى، واستقرار في المزاج.
أما فيما يتعلق بالحياة الجنسية والخصوبة، فالتوازن الهرموني هو العامل الأساس في الحفاظ على الرغبة والقدرة الجنسية، إضافة إلى جودة الحيوانات المنوية ووظائف الإنجاب. لذا يكون الحفاظ على هذا التوازن معناه الحفاظ على صحة الرجل بمفهومها الشامل؛ الجسدي، والنفسي، والوظيفي.
يُنصح بإجراء فحص التستوستيرون عندما تظهر علامات قد تدل على خلل في مستواه، مثل انخفاض الرغبة الجنسية، ضعف الانتصاب، التعب المستمر، ضعف الكتلة العضلية، أو تغيّر المزاج العام. كما يُطلب الفحص في حالات العقم أو عند الاشتباه باضطراب في الغدة النخامية أو الكظرية. غالبًا ما يُجرى الفحص في الصباح الباكر بين الساعة السابعة والعاشرة صباحًا، إذ تكون مستويات الهرمون في ذروتها خلال هذا الوقت.
نعم، يمكن أن تؤثر بعض الأدوية والمكمّلات على دقة نتائج الفحوصات الهرمونية. فالعلاج الهرموني، ومكملات التستوستيرون، والستيرويدات البنائية، وبعض أدوية الاكتئاب وضغط الدم قد تغيّر القيم المقاسة في التحليل. لذلك يجب إبلاغ الطبيب بكل الأدوية أو المكمّلات المستخدمة قبل إجراء الفحص، حتى يقرر ما إذا كان من الأفضل إيقافها مؤقتًا أو أخذها في الاعتبار عند تفسير النتائج.
نعم، مستويات التستوستيرون تتغير طبيعيًا على مدار اليوم. فهي ترتفع في الصباح وتبدأ بالانخفاض تدريجيًا خلال النهار، كما قد تتأثر بعوامل مثل قلة النوم، التوتر، التغذية، أو النشاط البدني. لهذا السبب يُنصح دائمًا بإجراء الفحص في الصباح الباكر لتوحيد التوقيت وضمان دقة المقارنة بين النتائج المختلفة.
هناك عدة عوامل يمكن أن تؤثر على نتائج الفحوصات، مثل التوتر، قلة النوم، النظام الغذائي، الوزن الزائد، النشاط البدني المكثّف قبل الفحص، والتدخين. كذلك قد تؤثر بعض الحالات الصحية مثل أمراض الكبد أو الكلى أو اضطرابات الغدة الدرقية على توازن الهرمونات. لضمان نتائج دقيقة، يُنصح بالراحة، وتجنّب المجهود الزائد أو تناول الهرمونات والمكمّلات قبل التحليل، وإجراء الفحص في الصباح وفق إرشادات الطبيب.